مصطفى صادق الرافعي
220
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
حارثة العليمي ، والأشعث بن قيس ، وغيرهم من أقيال حضر موت ورجال اليمن ، قد أحصاه أهل الغريب وفسروه ؛ وانظر كتابه إلى همدان ، ومنه : « . . إنّ لكم فراعها ووهاطها وعزازها « 1 » ، تأكلون علافها ، وترعون عفاءها « 2 » ؛ لنا من دفئهم وصرامهم « 3 » ما سلموا بالميثاق والأمانة ، ولهم من الصّدقة الثّلب والنّاب والفصيل « 4 » والفارض والداجن والكبش الحوري « 5 » ، وعليهم فيها الصالغ والقارح » « 6 » . فهذه طائفة يسيرة مما انتهى إلينا من غريب اللغات التي كان يعلمها النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ وإنما خرجت عنه هي وأمثالها ، مما جمعوه حديثا كالأحاديث ، ورويت كما فصلت ؛ ولولا أنها وجه من التاريخ والسيرة ، وضرب من تعليم أولئك القوم ، لقد كانت انقطعت بها الرواية فلم ينته إلينا منها شيء ، فهي ولا ريب لم تكن مجتلبة ، ولا متكلفة ، ولا ترامي إليها البحث والتفتيش ، وإنما جرت منه صلّى اللّه عليه وسلم مجرى غيرها ؛ مما قذفه الطبع المتمكن ، وألفته السليقة الواعية ، ولا ريب أن وراءها في ذلك الطبع وتلك السليقة ، ما وراء ألفاظها من سائر ما انفردت به تلك اللغات عن القرشية ، فلا بد أن يكون صلّى اللّه عليه وسلم محيطا بفروق تلك اللغات ، مستوعبا لها على أتم ما تكون الإحاطة والاستيعاب ، كأنه في كل لغة من أهلها ، بل أفصح أهلها . وإنما يحمل هذا على قوة في فطرته اللغوية ، تتميز بالإلهام عن سائر العرب من قومه وغير قومه ، على النحو الذي اختصت به ذاته الشريفة بالوحي من ربه ، والباب في كلتا الجهتين واحد أيسره وأكثره . وإذا كانت تلك فطرته اللغوية ، في تمكنها ، وشدتها ، واستحصافها ، وسبيلها إلى الإلهام ؛ وانطوائها على أسرار الوضع ؛ فانظر ما عسى أن يحدث من مبلغ أثرها في اللغة وضعا واشتقاقا واستجازة وتقليبا ، وما عسى أن يبلغ القول في مظاهرها من مخارج الكلام ووجه إرساله وإحكام تنضيده واجتماع نسقه ؛ ثم تدبر ما عسى أن تكون جملة
--> ( 1 ) الفراع : مجاري المياه إلى الشعب ، والوهاط والوهاد بمعنى واحد ؛ وهي الأراضي المنخفضة ، والعزاز الأرض الصلبة . ( 2 ) العلاف : جمع علف . والعلفاء ما ليس فيه ملك . ( 3 ) الدفء والصرام : أي الإبل والغنم . ( 4 ) الثلب : البعير الهرم الذي تكسرت أسنانه ، والناب : الناقة الهرمة . والفصيل : ولد الناقة إذا فصل عن أمه . ( 5 ) الفارض : المسن من الإبل . والدواجن : الدابة التي تألفت البيوت . والحوري يقال في تفسيره : إنه المكوي ، منسوب إلى الحوراء ، وهي كية مدورة ، ويقال : حوره إذا كواه هذه الكية لا . ( 6 ) الصالغ من البقر ، والغنم : الذي كمل وانتهت سنه في السادسة ؛ والقارح من ذي الحافر : بمنزلة البازل الإبل . وكل ذلك الذي كمل وانتهى في القوة .